خليل الصفدي
22
أعيان العصر وأعوان النصر
نجم الدين بن قوام الشافعي . كان من بيت علم وصلاح ، وخير وزهد وفلاح ، صاحب زاوية وحال ، وكرامات وكرم ونوال ، يتلقى الواردين بإحسانه ، ويوليهم الجود من يده ولسانه ، يغريهم ويقربهم ، ويميريهم على ما بدته ويرم بهم . يعتقد الناس بركاته ، ويتوسمون الخير في سكناته وحركاته . اجتمعت به غير مرة ، ورصع في جيدي من فضله كل درة ، ولم يزل على حاله إلى أن استسقى وما به ظمأ ، وخر النجم إلى الأرض من السما . وتوفي رحمه اللّه تعالى بهذه العلة في أوائل شهر رجب الفرد سنة ست وأربعين وسبعمائة . وكانت جنازته حافلة وصلّى نائب الشام عليه وجماعة من الأمراء . وحدث عن ابن القواس وغيره . وكنت قد كتبت له توقيعا في أيام الأمير سيف الدين تنكز رحمه اللّه تعالى بنظر الشبلية ونسخته : رسم بالأمر العالي المولودي السلطاني الملكي الناصري لا زال نجم الدين به بازغا ، ومنهل جوده لوارديه عذبا سائغا ، وثمر كومة لجناه وفده حلواه بالغا . أن يرتب المجلس السامي الشيخي النجمي أبو بكر في كذا ، ثقة بوزعه الذي اشتهر ، وفضله الذي بهر ، وأصله الذي طاب فرعه فالتقوى له ثمر والعلم زهر . فما خطب لمباشرة هذه الوظيفة إلّا وثوقا بصفاته الحميدة ، وتمسكا بما عرف من طريقته السديدة ، واتكالا على ما حازه من صفات جواهرها على جيد الأيام نضيدة ، وركونا إلى بيته الذي له من سلفه أركان مشيده ، ورغبة في شمول هذه المدرسة ببركته التي هي بيت القصيدة ، فليباشر ما فوض إليه مباشرة سدادها في كفالة كفايته مضمون ، ويغتبط بما يفوز به من هذا البر فإن له أجرا غير ممنون ، مجتهدا في تنمية ربع هذا الوقف المبرور ، مقتصدا في تثمير ما يجره إليه من المنافع حتى يدل على أن فعله تعلق من بركته بجار ومجرور ، معتمدا في إحياء ميته على من هو عدل في حكمه لا يحيف ، مستندا في استخراج حقوق إلى الجلد حتى لا يقال أن أبا بكر رجل أسيف مساوقا مباشرته في جليله وحقيره . وقليله وكثيره ، وغائبه وحاضره ، ومعروفة ونادره ، فلا يدع مستحقيه من صرف مال لهم في أوار ولا أوام . ولا يمكن أحدا منهم يسلك طريقا معوجه فإنه ابن قوام ، فلو لم يكن الظن به جميلا ما غدق به هذا الأمر دون البرية ، ولو لم يكن أسدا في الحق ما أسند إليه نظر الشبلية . وليتبع شروط الواقف حيث سارت مقاصده لأنه ناظر ، وليصرف ما أمر به على ما أراده فإنه إن كان غائبا فله إله حاضر . والوصايا كثيرة ومنه تؤخذ فوائدها ، وعلى جيد الزمن تنضد منه فرائدها . وهو بحمد اللّه تعالى ابن نجدتها علما ومعرفة ، وأدرى الناس بما يتحرك فيها من لسان أو شفة ، ولكن التوقي مكمل أمر ، وعمدة الدين وعماده من زيد وعمرو ، فلا ينزع منها حله ارتداها ، ولا يترك طريقا سلكها عمره